عندما يتساءل العقل عن الإسراء والمعراج
هل يمكن تصديق رحلة الإسراء والمعراج بالعقل والمنطق، أم أن التصديق بها هو تصديق غيبي إيماني خالص؟
هل يستطيع العقل أن يستوعب أن النبي محمد أُسري به من مكة إلى القدس، ثم عُرج به من المسجد الأقصى إلى السماوات العُلا، ثم عاد إلى مكة في الليلة نفسها حتى وجد فراشه لا يزال دافئًا؟
قبل الإجابة عن هذا السؤال، دعنا نتحدث قليلًا عن الزمان والمكان، فهما اللذان يشكّلان البنية التي تجري ضمنها كل الظواهر الكونية.
منذ اللحظة التي تبدأ فيها حياة الإنسان، لحظة الإخصاب، عندما يندمج الحيوان المنوي مع البويضة، لينتج عن ذلك تكوّن اللاقحة، تُعلَن بداية وجود إنسان جديد. هذه اللحظة بالذات، في هذا التوقيت المحدد، من الذي قرر أن تكون هي لحظة البداية؟ نحن لا نتحدث هنا عن إنسان واحد، بل عن مليارات البشر الذين عاشوا ويعيشون على هذه الأرض منذ بداية البشرية.
ومنذ تلك اللحظة، يبدأ زمن هذا الإنسان في الجريان، إلى أن يصل إلى اللحظة الأخيرة التي تنتهي فيها الحياة داخل الجسد، سواء بتوقف القلب، أو انقطاع التنفس، أو توقف الدماغ، لتصبح جثةً يسري فيها برد الموت، وتموت فيها الخلايا تباعًا. هذا الزمن الممتد من بداية الحياة إلى نهايتها، بطوله أو قصره، بدقته وحدوده، هل يمكننا القول بأنه يوجد من يتحكم به؟
وكما أن لكل إنسان زمنًا يبدأ وينتهي، فإن له أيضًا مكانًا يبدأ منه ومكانًا تنتهي عنده رحلته. هذه اللاقحة التي تكونت في زمن معين، تكونت كذلك في مكان معين. قد يبدأ الإنسان حياته في بلد، ثم تتنقل به الحياة بين مدن وقارات، قبل أن تنتهي قصته في مكان آخر مختلف تمامًا.
كل هذه الأماكن التي عاش فيها الإنسان منذ بداية تكوينه وحتى موته، من الذي حددها؟ من الذي حكم أن تكون البداية هنا، والمسار هناك، والنهاية في موضع آخر؟ هل يمكننا القول أيضًا بأنه يوجد من يتحكم بهذا المكان؟
وإذا وصلنا إلى أن الزمان والمكان كلاهما خاضعان لتحكم واحد، لا يتحكم في حياة إنسان واحد فقط، بل في مليارات البشر عبر التاريخ، فإن السؤال الحقيقي يصبح: هل يعجز هذا المتحكم عن أن يغيّر قوانين الزمان والمكان لشخص واحد اختاره واصطفاه؟
إذا كان المتحكم هو من يضع القوانين، فإنه يملك بالضرورة القدرة على تعليقها أو تجاوزها متى شاء، لأن القوانين لا تكون قيودًا على واضعها، بل توصيفًا لما يجري داخل نطاقها. وعند هذه النقطة، لا يعود الإسراء والمعراج أمرًا مستحيلًا عقليًا، بل يصبح ممكنًا منطقيًا ضمن قدرة من يملك الزمان والمكان معًا، خاصة أن العلم التجريبي لا يحكم إلا على كيفية عمل القوانين، ولا يملك أن يفصل في أصلها، ولا في إمكانية تعليقها.

