المشهد الأخير
من وقت إلى آخر، أتخيل المشهد الأخير من الحياة. شخص مستلقٍ على سرير المرض، محاط بوجوه محبة وقلقة، متشبث بالأمل، لكنه عاجز عن تقديم أي شيء يتجاوز ما يستطيع الأطباء فعله. في تلك اللحظة، حيث يلتقي الضعف بالخوف، يظل سؤال واحد معلقاً في الهواء: عمّ يفكر هذا الشخص؟ ما الذي يدور في ذهنه وهو على مقربة شديدة من الرحيل؟
أول مرة خطرت لي هذه الفكرة كانت بسبب كتاب «أهم خمسة أشياء يندم عليها المرء عند الموت» للكاتبة الأسترالية بروني وير. هذا الكتاب لم يظهر بصورته المعروفة مباشرة، بل بدأ كمقال بسيط على مدونة شخصية عام 2009 بعنوان «ندامات المحتضرين». ومع تفاعل القرّاء معه واتساع أثره، تحوّل ذلك المقال إلى كتاب يوثّق تجربة بروني وير كممرضة رعاية تلطيفية. من خلال عملها، رافقت كثيراً من المرضى في أسابيعهم الأخيرة، واستَمعت إلى اعترافاتهم وندمهم في لحظات نادرة من الصدق المطلق، حين تسقط الأقنعة ولا يبقى ما يستحق الإخفاء.
لكن بعيداً عن الكتاب، يبقى المشهد الأخير قائماً بذاته. شخص في أضعف حالاته، مدركاً أن الزمن يضيق، وأن ما تبقى أقل مما مضى. في لحظات كهذه، لا يكون التفكير منظماً أو فلسفياً، بل يكون متقطعاً ومشوشاً، يتأرجح بين الخوف والتعلّق والذاكرة.
بطبيعة الحال، يكون الإنسان منشغلاً بعمق بحالته وألمه، لكن لحظات تأتي يعود فيها إلى مراجعة حياته كما كانت حقاً، بكل تفاصيلها الكبيرة والصغيرة. ما فعله وما لم يفعله، قرارات كان يمكن أن تنتهي على نحو مختلف، وأيام مضت بلا إمكانية للعودة. ربما يشعر بأنه كان يريد من الحياة أكثر، ليس بالضرورة سنوات أطول، بل حياة أعمق وأكثر صدقاً.
في تلك اللحظات، يجلس الكبرياء والندم جنباً إلى جنب دون ترتيب. لا يوجد ندم واحد واضح، ولا إجابة حاسمة، بل إحساس عام بأن أشياء كثيرة كان يمكن أن تُعاش بشكل مختلف، وأن أشياء أخرى كانت جيدة كما كانت.
في مصر، لدينا تعبير نقول فيه «عايز أموت وأنا مرتاح»، تعبير واضح ومباشر، لكنه يحمل في الواقع معنى أعمق بكثير: الرغبة في الموت بسلام داخلي، بلا ندم، ومع شعور بالرضا عن الحياة التي عاشها الإنسان.
في النهاية، يكاد مشهد الرحيل يكون متشابهاً في شكله الخارجي، لكن ثقله الحقيقي لا يأتي من اللحظة ذاتها، بل مما سبقها، من الحياة التي عاشها الإنسان بكل اختياراتها.

